محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عنه ، فاستنصحوا الرجال ، ونبذ كتاب الله وراء ظهورهم . حدثني بشر بن سويد ، قال : ثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري ، عن حذيفة : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : لم يعبدوهم ، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي . وأما قوله : وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فإن معناه : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دون الله . وأما قوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً فإنه يعني به : وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا إلا أن يعبدوا معبودا واحدا ، وأن يطيعوا إلا ربا واحدا دون أرباب شتى ؛ وهو الله الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل خلق ، المستحق على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية ، لا إله إلا هو . يقول‌تعالى ذكره : لا تنبغي الألوهة إلا لواحد الذي أمر الخلق بعبادته ، ولزمت جميع العباد طاعته . سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول : تنزيها وتطهيرا لله عما يشرك في طاعته وربوبيته القائلون عزير ابن الله ، والقائلون المسيح ابن الله ، المتخذون أحبارهم أربابا من دون الله . القول في تأويل قوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يقول تعالى ذكره : يريد هؤلاء المتخذون أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني : أنهم يحاولون بتكذيبهم بدين الله الذي ابتعث به رسوله وصدهم الناس عنه بألسنتهم أن يبطلوه ، وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياء . وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ يعلو دينه وتظهر كلمته ، ويتم الحق الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولو كره إتمام الله إياه الكافرون ، يعني : جاحديه المكذبين به . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يقول : يريدون : أن يطفئوا الإسلام بكلامهم . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : الله الذي يأبى إلا إتمام دينه ولو كره ذلك جاحدوه ومنكروه ، الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ، يعني : ببيان فرائض الله على خلقه ، وجميع اللازم لهم ، وبدين الحق وهو الإسلام ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يقول : ليعلي الإسلام على الملل كلها . وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ بالله ظهوره عليها . وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فقال بعضهم : ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : ثنا شقيق ، قال : ثني ثابت الحداد أبو المقدام ، عن شيخ ، عن أبي هريرة في قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال : حين خروج عيسى ابن مريم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن فضيل بن مرزوق ، قال : ثني من سمع أبا جعفر : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال : إذا خرج عيسى عليه السلام اتبعه أهل كل دين . وقال آخرون : معنى ذلك : ليعلمه شرائع الدين كلها فيطلعه عليها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال : ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله ، فيعطيه إياه كله ، ولا يخفى عليه منه شيء . وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ